أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
147
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
قال له : « مولانا ، أنت عقّدته أكثر . . هل تسمحون أن أوضّح شيئاً من عندي ؟ ! » فردّ الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) : « أنا أعلم ما تقوله ، ولكنّي لم أستطع أن آتي بعبارة أقدّمها للناس » ، فقال له الشيخ النابلسي : « يا مولانا ، سهر ودخّان وجوع ، ثلاثة أشياء دفعة واحدة ، إنّ الواحدة منها مهلكة فكيف إذا اجتمعوا ؟ ! وأنا رأيي أن تترك الكتابة ونذهب سويّاً إلى السيّد الصدر ونحصل على بعض الفوائد ثمّ نخرج فنتغدّى حسب العادة ، ثمّ تنام بعدها ، فإذا فعلتَ ذلك فسوف تقوم بعدها مرتاحاً ، وبعدها لا تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ إن شاء الله » . فقام الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) وتوضّأ ولبس جبّته ، ثمّ توجّها إلى بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) الذي رحّب به كثيراً على عادته . وقد وجّه الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) إلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) سؤالًا حول حقوق الطبع ، وقد أجاب السيّد ( رحمة الله ) بأنّ حقوق الطبع فكرة غريبة القصدُ منها الاحتكار والسيطرة على الثقافة والكتاب ، فردّ الشيخ ( رحمة الله ) بأنّ هذه الفتوى غير ملائمة له لأنّ مبنى السيّد يسهّل للآخرين طبع كتبه دون إذنه ودون أن يستفيد شيئاً منها ، وهو الآن يعيش من خلالها ، فأجاب ( رحمة الله ) : « افترض أنّ عالماً حقّق مطلباً علميّاً ، وعلى سبيل المثال مدّة حياة الزهراء ( عليهما السلام ) بعد النبي ( ص ) ، وقد ثبت لديه من خلال عرضٍ كبيرٍ قدّمه لطلّابه ، وقام الطلّاب بتسجيل هذه الأفكار على شريط ، أو كتب أحدهم ما كان يقوله الأستاذ حرفيّاً ، ثمّ نشر الطالب هذه التقرير ، فهل يحقُّ للأستاذ أن يمنع نشر هذا التقرير بحجّة أنّه صاحب الفكرة وصاحب التحقيق ؟ ! » ، فقال الشيخ : « لا » ، فقال السيّد : « عندئذٍ ما الفرق بين الأوّل والثاني ؟ ! » فسكت الشيخ ( رحمة الله ) . وفي الجلسة نفسها قام أحدُ الشباب الجامعي بسؤال السيّد الصدر ( رحمة الله ) حول مسائل تتعلّق بالذبح ، وحول الفرق بين الذبح بالطريقة المذكورة في الرسائل العمليّة مع الشروط الصعبة التي يشترطونها ، وبين الطرق الأخرى التي تتجاوز هذه الشروط ، فأجاب ( رحمة الله ) ( بما معناه ) : « إنّ الذباحة في الإسلام عبادة وشهادة : أمّا كونها شهادة ، فلأنّ الشهيد هو الذي يقدّم نفسه من أجل من هو أفضل منه ، كأن يقتل دفاعاً عن الدين والأرض والوطن وما إلى ذلك ، فكلُّ من قدّم نفسه من أجل الأفضل فهو شهيدٌ في اللغة حتّى لو لم يدخل الجنّة . والخروف شهيدٌ لأنّه يقدّم نفسه للإنسان ، لأنّ الإنسان أفضل كائنٍ على وجه الأرض . أمّا كونها عبادة ، فلأنّها تُوجّه إلى القبلة ، والصلاة تُوجّه إلى القبلة ، والذباحة يُذكر فيها اسم الله والصلاة والعبادة كذلك ، فلا تكون العبادة بدون ذكر الله ، ولو اختلفت التفاصيل في عمليّة الذباحة ، فإنّها لا تصحُّ من غير المسلم ، والعبادة لا تصحُّ من غير المسلم ، وهكذا . . » . وفي نهاية الوقت خرج الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) وخرجوا معه وهو يقول : « الله أكبر . . ما هذا السيّد ! الخروف شهيد ! ! » . وبعد أن تغدّى الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) وارتاح ، استطاع خلال ثلث ساعة أن يصوغ المسألة بأسلوب سهل « 1 » . وأثناء عمله على دمج تعليقة السيّد الصدر ( رحمة الله ) في متن ( منهاج الصالحين ) واجه الشيخ مغنيّة ( رحمة الله ) معضلة في فهم التعليقة ، فأتى إلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) وهو غضبان يسأله عمّا التبس عليه . وبعد أن أجابه السيّد الصدر ( رحمة الله ) طرح الشيخ ( رحمة الله ) الكتاب أرضاً وقال : « لمن كُتِبَتْ هذه ؟ ! » ، فابتسم السيّد الصدر ( رحمة الله )
--> ( 1 ) خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 86 - 88 .